الشيخ محمد رشيد رضا

410

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( 52 ) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ، وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ ( 53 ) أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ؟ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ هذه الآيات تتمة السياق . بين اللّه تعالى شأنه إنزال التوراة ثم الإنجيل على بني إسرائيل ، وما أودعه فيهما من هدى ونور ، وما حتم عليهم من إقامتهما ، وما شدد عليهم من إثم ترك الحكم بهما . فناسب بعد ذلك ان يذكر إنزاله القرآن على خاتم النبيين والمرسلين ، ومكانه من الكتب التي قبله ، وكون حكمته تعالى اقتضت تعدد الشرائع ومناهج الهداية - فتلك مقدمات ووسيلة ، وهذا هو المقصد والنتيجة ، قال : * * * وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ اي وأنزلنا إليك الكتاب الكامل الذي أكملنا به الدين ، فكان هو الجدير بأن ينصرف اليه معنى الكتاب الإلهي عند الاطلاق ، وهو القرآن المجيد - هذه حكمة التعبير بالكتاب بعد التعبير عن كتاب موسى باسمه الخاص ( التوراة ) وعن كتاب عيسى باسمه الخاص ( الإنجيل ) - ومثل هذا اطلاق لفظ النبي حتى في كتبهم - وقوله بالحق الخ معناه أنزلناه متلبسا بالحق مؤيدا به ، مشتملا عليه مقررا له ، بحيث لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، مصدقا لما تقدمه من جنس الكتب الإلهية كالتوراة والإنجيل ، أي ناطقا بتصديق كونها من عند اللّه ، وان الرسل الذين جاؤوا بها لم يفتروها من عند أنفسهم وأما قوله : ومهيمنا عليه - أي على جنس الكتاب الإلهي - فمعناه أنه رقيب عليها وشهيد ، بما بينه من حقيقة حالها ، في أصل انزالها ، وما كان من شأن من خوطبوا بها ، من نسيان حظ عظيم منها واضاعته ، وتحريف كثير مما بقي منها وتأويله ،